يحيي بن حمزة العلوي اليمني

111

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

فمن ذلك قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [ النحل : 112 ] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من المجازات البليغة والاستعارات الرشيقة ، فقد تضمنت استعارات أربعا ، الأولى منها القرية للأهل ، والثانية استعارة الذوق في اللباس ، والثالثة استعارة اللباس في الجوع ، والرابعة استعارة اللباس في الخوف ، فهذه الاستعارات كلها متلائمة ، وفيها من التناسب ما لا خفاء به ، فلما ذكر الأمن ، والرغد من الرزق أردفه بما يلائمه من الجوع ، والخوف ، والإذاقة ، لما في ذلك من البلاغة ، وهذا النوع يسمى الاستعارة المرشحة ، وهو أن يأتي بالاستعارة عقيب الاستعارة لها بالأولى علاقة ومناسبة ، وهذا كقوله تعالى : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] فلما استعار الشراء عقبه بذكر الربح لما كان مناسبا له في غاية الملائمة لما سبق ، وقد زعم عبد الله بن سيار الخفاجي إنكار الاستعارة المرشحة ، وقال إن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات ، وأنكر عليه الآمدي هذه المقالة ، وما قاله الآمدي هو المعول عليه ، فإن هذه الاستعارة المرشحة من أعجب الاستعارات وأغربها ، واستظرفها كل محصل من علماء البيان وسنوضحها في التقاسيم ، ونورد الشاهد عليها بمعونة الله تعالى . ومن ذلك قوله تعالى : الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ إبراهيم : 1 ] فذكر الظلمات والنور إنما كان على جهة الاستعارة للكفر والإيمان ، والضلالة والهدى كأنه قال لتخرج الناس من الكفر والضلال اللذين هما كالظلمة إلى الإيمان والهدى اللذين هما كالنور ، والمستعار له مطوى الذكر ، فإذا أظهر كان من قبيل صريح التشبيه كما مثلناه ومن هذا قوله تعالى : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [ إبراهيم : 46 ] وإنما يكون استعارة في قراءة من قرأ لتزول بالنصب على تقدير ( ان ) بمعنى ( ما ) والمعنى وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، واستعار الجبال لما أتى به الرسول صلى اللّه عليه وآله ، من المعجزات الباهرة والأعلام الواضحة النيرة على نبوته ، فالمعنى وما كان خدعهم وتكذيبهم لتزول منه هذه الأمور المستقرة الثابتة التي هي كالجبال في الرسوخ والاستقرار ، فأما على قراءة من قرأ " لتزول منه " بالرفع في : تزول ، فلا وجه للاستعارة فيه للجبال بل تكون باقية على